عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي

157

اللباب في علوم الكتاب

وقال بعضهم : هذه قصّة مستأنفة ، والهاء والميم في « لهم » كناية عن غير مذكور . الرابع : أنه يعود على « النّاس » في قوله : « يا أَيُّهَا النَّاسُ » قاله الطبريّ ، وهو ظاهر إلّا أن ذلك من باب الالتفات من الخطاب إلى الغيبة ، وحكمته : أنّهم أبرزوا في صورة الغائب الذي يتعجّب من فعله ، حيث دعي إلى شريعة اللّه تعالى والنّور والهدى ، فأجاب باتّباع شريعة أبيه . قوله : « بل نتّبع » « بل » ههنا : عاطفة هذه الجملة على جملة محذوفة قبلها ، تقديره : « لا نتّبع ما أنزل اللّه ، بل نتّبع كذا » ولا يجوز أن تكون معطوفة على قوله : « اتّبعوا » لفساده ، وقال أبو البقاء « 1 » : « بل » هنا للإضراب [ عن الأوّل ، أي : « لا نتّبع ما أنزل اللّه » ، وليس بخروج من قصّة إلى قصّة ، يعني بذلك : أنه إضراب إبطال ] « 2 » ، لا إضراب انتقال ؛ وعلى هذا ، فيقال : كلّ إضراب في القرآن الكريم ، فالمراد به الانتقال من قصّة إلى قصّة إلّا في هذه الآية ، وإلّا في قوله : أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ بَلْ هُوَ الْحَقُّ [ السجدة : 3 ] فإنه محتمل للأمرين ؛ فإن اعتبرت قوله : « أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ » ، كان إضراب انتقال ، وإذا اعتبرت « افتراه » وحده ، كان إضراب إبطال . والكسائيّ « 3 » يدغم لام « هل » و « بل » في ثمانية أحرف : التاء ؛ كقوله : بَلْ تُؤْثِرُونَ [ الأعلى : 16 ] والنّون : « بل نتّبع » والثّاء : هَلْ ثُوِّبَ [ المطففين : 36 ] والسّين : بَلْ سَوَّلَتْ [ يوسف : 18 ] ، والزّاي : بَلْ زُيِّنَ [ الرعد : 33 ] ، والضّاد : بَلْ ضَلُّوا [ الأحقاف : 28 ] والظّاء : بَلْ ظَنَنْتُمْ [ الفتح : 12 ] والطّاء : بَلْ طَبَعَ اللَّهُ [ النساء : 155 ] ، وأكثر القرّاء على الإظهار ، ووافقه حمزة في التاء والسين ، والإظهار هو الأصل . قوله : « ألفينا » : في « ألفي » هنا قولان : أحدهما : أنّها متعدّية إلى مفعول واحد ، لأنها بمعنى « وجد » التي بمعنى « أصاب » ؛ بدليل قوله في آية أخرى : بَلْ نَتَّبِعُ ما وَجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا [ لقمان : 21 ] وقوله : وَأَلْفَيا سَيِّدَها لَدَى الْبابِ [ يوسف : 35 ] وقولهم : « إِنَّهُمْ أَلْفَوْا آباءَهُمْ ضالِّينَ » ، فعلى هذا : يكون « عليه » متعلّقا بقوله : « ألفينا » . والثاني : أنها متعدّية إلى اثنين : أولهما : « آباءنا » ، والثاني : « عليه » ، فقدّم على الأول . وقال أبو البقاء « 4 » - رحمه اللّه - : [ « هي محتملة للأمرين - أعني كونها متعدّية لواحد

--> ( 1 ) ينظر الإملاء لأبي البقاء : 1 / 75 . ( 2 ) سقط في ب . ( 3 ) ينظر تفسير الفخر الرازي : 5 / 6 . ( 4 ) ينظر الإملاء لأبي البقاء : 1 / 75 .